دكتور عبد العزيز الدوري
79
مقدمة في تاريخ صدر الإسلام
ضجيج الموالي واتهموا الحجّاج بمعارضة الدين . وكاد نظام الحجاج يعم في القسم الغربي من الإمبراطورية ولكن مقاومة الأهلين حالت دون ذلك . وقد أنقذت تدابير الحجاج الخزينة ولكن المقاومة لها كانت شديدة . واستمر الوضع حتى مجيء عمر بن عبد العزيز ، فحاول التوفيق بين مصلحة الخزينة والمبادئ الإسلامية ، ووضع أسسا واضحة لنظام الضرائب تدل على كفاية وبعد نظر ، إذ عدّ الجزية وحدها رمز الخضوع ، يدفعها الذميّ ويعفى منها بعد إسلامه . واعتبر أرض الخراج ملك الأمة الإسلامية أو وقفا عليها ، وقال إنّ الخراج إنما هو إيجار لها وهو حق الأمة كلها ، ولذا يلزم كل من يمتلك أرضا خراجية أن يدفع هذا الإيجار من دون نظر إلى الدين ، ونفذ هذا في سنة 100 ه . وبذلك أبقى وارد الخراج ثابتا للخزينة ، لا يتأثر بانتشار الإسلام . وقد كان نظام عمر بن عبد العزيز مناسبا للعراق كل المناسبة لأنّ وارد الجزية منه قليل ، والوارد الرئيس يأتي من الخراج فلا تتأثر الخزينة بمثل هذا التدبير . ولكن الجزية مهمة بالنسبة إلى وارد مصر ، ولذا أدى هذا النظام ( ان قبلنا روايات المؤرخين ) وانتشار الإسلام إلى ارتباك وارد مصر ، بل قصوره عن سدّ الحاجة إلى النفقات المحلية من أعطيات ورواتب . أمّا خراسان فتلكأ الأمراء في تطبيق النظام فيها إذ تحالف الدهاقنة مع الفاتحين وتولوا زيادة الجزية أو ابقاءها على بعض من أسلم مقابل إعفاء أتباعهم ، وخففوا الخراج عن الأرض بما يناسبهم ويرضي الأمراء وأعوانهم أصحاب الملكيات . وبذلك حافظوا على ثروتهم وكيانهم الاجتماعي ووضعوا العبء على الطبقة العامة . وهكذا استمر الوضع الاجتماعي السئ كما كان زمن الساسانيين . وكان الدهاقنة يستفيدون من قيامهم بالجباية ولا يستحسنون انتشار الإسلام لأنّ الموالي في وضع أحسن من أهل الذمة ، فهم لا يرحبون بذلك اجتماعيا ، كما أنّ إعفاء المولى من الضريبة يضرّ بمصلحتهم المادية . لذلك كانوا يعرقلون كل محاولة للإصلاح . إنّ نظام عمر أثر في الوارد لأنّ الإسلام ينقص الوارد نتيجة إعفائه من الجزية . وممّا مرّ يتضح أنّ نظام عمر بن عبد العزيز بشكله الذي طبق به في خراسان لا يخدم الخزينة . والنظام في ذاته ظاهرة تدلّ على ازدياد أهمية الموالي وعلى شعور الأمويين بمشكلتهم وسعيهم لمعالجتها بعدل وحزم معالجة أساسية . ولن نستغرب من محاولة يزيد الثاني الذي جاء بعد عمر بن عبد العزيز أن يعيد الأوضاع السابقة وأن يهمل تدابيره . ولم يكن للأمويين إلا أن يتبعوا نظامه أو نظام الحجاج ، ولكن نظامه انتصر في الأخير حتى وجدنا نصر بن سيار يحاول تطبيقه بشكل صحيح ، بأن فرض الضريبتين في خراسان على أسس سليمة ، ضريبة الخراج